
في سورة النبأ، يصوّر الله عز وجل بعض مظاهر قدرته في خلق الكون وتدبير شؤونه، ومنها إنزال المطر، حيث يقول:
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: 14].
-
مهندس وزوجته ونجله الرضيع في بالسعوديةنوفمبر 24, 2025
-
4 أوقات يحـ،ـرم فيها الجـ،ـماع شرعًا.. حددها القرآن الكريمنوفمبر 24, 2025
-
المتحور الجديدنوفمبر 24, 2025
وقد توقف المفسرون عند كلمة “ثجاجًا” لفهم دقتها في التعبير، وما تحمله من دلالة بلاغية عظيمة.
معنى “ثجاجًا” في اللغة:
كلمة “ثجّ” في اللغة العربية تدل على السيلان القوي والمتدفق.
يقال: ثجّ الماءُ إذا انصبّ بشدة وقوة، ومنه حديث النبي ﷺ في الحج:
“أفضل الحج العَجُّ والثجُّ”
والمقصود بالثجّ هنا: إراقة دماء الهدي بكثرة.
تفسير “ثجاجًا” في الآية:
الماء “الثجّاج” هو الماء الغزير المنهمر بقوة.
ففي هذه الآية، يشير التعبير إلى أن الله تعالى أنزل من السحب، أو “المُعصرات”، ماءً متدفقًا بغزارة وقوة، يشبه السيل الهادر، يروي الأرض ويبعث فيها الحياة.
من هم “المُعصرات”؟
اختلف المفسرون في تفسير “المعصرات”:
بعضهم قال: هي الرياح، أي التي تعصر السحاب فينزل المطر.
وبعضهم قال: هي السحب التي امتلأت بالماء وآن أوان انهمارها، كأنها “تعصرت” لتنزل الماء.
وهناك من قال: “المعصرات” تعني السحب الخفيفة في آخر مراحل تكوّنها قبل هطول المطر.
وفي جميع هذه الأقوال، فإن المعنى يشير إلى القدرة الإلهية في تدبير إنزال المطر بغزارة وتنظيمه.
بلاغة التعبير:
كلمة “ثجاجًا” تحمل في طياتها إيقاعًا صوتيًا يوحي بقوة اندفاع الماء.
وكأن القارئ يسمع هدير المطر، ويرى شدة انهماره، في تصوير فني مدهش يعكس إعجاز القرآن في التصوير.
كلمة “ثجاجًا” في قوله تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾
تعني: ماءً كثيرًا متدفقًا بغزارة، ينزل من السماء بقوة وسرعة.
وهي تعبير عن رحمة الله بخلقه، حيث ينزل عليهم المطر الذي يحيي الأرض وينبت الزرع ويسقي الإنسان والحيوان.
سورة النبأ من سور القرآن الكريم العظيمة، وهي أول سورة في جزء “عمّ”، الجزء الثلاثين من المصحف الشريف.
تتميّز بأسلوبها القوي وألفاظها العميقة التي تدعو للتفكّر في خلق الله، وبيان أهوال يوم القيامة، ومصير الإنسان بعد الموت.
سبب التسمية:
سُمّيت السورة بـ “النبأ” نسبةً إلى قوله تعالى في بدايتها:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾
و”النبأ” هو الخبر العظيم، والمقصود به هنا أمر البعث بعد الموت، وهو من أعظم ما يشكك فيه الكفار.
مكان النزول:
سورة النبأ مكية، أي نزلت قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة.
وتحمل طابع السور المكية، من حيث التركيز على العقيدة، التوحيد، والبعث والنشور.
موضوعات السورة:
1. النبأ العظيم:
تبدأ السورة بسؤال بلاغي:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾
وتشير إلى أن الناس يتجادلون حول “النبأ العظيم”، أي البعث بعد الموت، ويكذب به البعض رغم وضوح الأدلة.
2. دلائل قدرة الله:
ثم تنتقل السورة إلى عرض دلائل قدرة الله في الكون، لتثبت أن من خلق هذه المخلوقات العظيمة، قادرٌ على إحياء الموتى:
الأرض ممهدة
الجبال أوتادًا
خلق الأزواج
الليل لباسًا
النهار معاشًا
السبع شداد (السموات)
المصابيح (النجوم)
إنزال الماء “ثجاجًا” من المعصرات
إخراج الزرع والجنات
3. أهوال يوم القيامة:
تصوّر السورة مشاهد رهيبة من يوم القيامة:
﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾
وفيه تُفتح السماء، وتُسَيَّر الجبال، ويقف الناس للحساب، ولا يُسمع إلا همسًا.
4. مصير الكفار والمؤمنين:
الكفار:
مصيرهم جهنم، وصفها الله بوضوح:
﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾
فيها يُذوقون العذاب جزاءً وفاقًا، ويُمنعون من شرب الماء البارد أو الراحة.
المتقون:
لهم جنات ونعيم:
﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾
من حدائق، وأعناب، وكواعب، وكأسًا دهاقًا، ورضا من الله.
خاتمة السورة:
تُختتم السورة بتأكيد على عدل الله، وحقيقة الحساب، وفيها إنذار شديد:
﴿إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾
وتذكير بأن كل نفس ستحاسب على ما قدمت، وسيرى الناس الفرق بين السعادة الأبدية أو الحسرة والندم.
الدروس المستفادة:
الإيمان بالبعث واليوم الآخر ركن من أركان العقيدة.
قدرة الله تظهر في خلق الكون وتنظيمه.
عاقبة الكفر وخيمة، وعاقبة الإيمان فوز ونعيم.
القرآن يخاطب العقل والقلب معًا بأسلوب مؤثر.








